المقريزي

106

رسائل المقريزي

من الألطاف وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل ، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق وإرسال الرسول وتمكينه من الفعل فلم يبق بعدها إعانة مقدورة يسأله إياها « 1 » ، وهؤلاء مخذولون موكلون إلى أنفسهم مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد . قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن آمن باللّه وكذب بقدره نقض توحيده « 2 » . النوع الثاني : من لهم عبادة وأوراد ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر وأنها بدون المقدور كالموت الذي لا تأثير له ، بل كالعدم الذي لا وجود له ، وأن القدر كالروح المحرك لها والمعول على المحرك الأول ، فلم تنفذ بصائرهم من السبب إلى المسبب ، من الآلة إلى الفاعل ، فقلّ نصيبهم من الاستعانة ، وهؤلاء لهم نصيب من التصرف بحسب استعانتهم وتوكلهم ، ونصيب من الضعف والخذلان بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم ، ولو توكل العبد على اللّه حق توكله في إزالة جبل عن مكانه لأزاله « 3 » . حقيقة الاستعانة : فإن قيل : ما حقيقة الاستعانة عملا ؟ قلنا : هي التي يعبر عنها بالتوكل ، وهي حالة للقلب تنشأ عن معرفة اللّه تعالى وتفرده بالخلق والأمر والتدبير والضر والنفع وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فتوجب اعتمادا عليه وتفويضا إليه وثقة به ، فتصير نسبة العبد إليه تعالى كنسبة الطفل إلى أبويه فيما ينوبه من رغبته ورهبته ، فلو دهمه ما عسى أن يدهمه من الآفات لم يلتجئ إلى غيرهما . فإن كان العبد مع هذا الاعتماد من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 4 » أي كافيه . القسم الرابع : من له استعانة بلا عبادة ، وتلك حالة من شهد تفرد اللّه بالضر

--> ( 1 ) قوله : « فلم يبق بعدها إعانة مقدورة يسأله إياها » يعنى هذا من لازم قولهم ، وإلا فلم أنكروا مشروعية طلب الهداية من اللّه صراحة لكفروا لمناقضة القرآن والسنة ، ولذلك أوّلوا طلب الهداية بتأويلات فاسدة انظرها في مقالات الإسلاميين للأشعرى ( 1 / 324 ، 325 ) . ( 2 ) رواه اللالكائى في « شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة » ( 1 / 331 ) وفي سنده راو مبهم ، وذكره ابن أبي العز في « شرح الطحاوية » ( ص 245 ) . ( 3 ) انظر هذه الأقسام في مدارج السالكين ( 1 / 27 - 29 ) ، والتفسير القيم ( ص 72 ) كلاهما لابن القيم . ( 4 ) الطلاق : 2 ، 3 .